الياس شوفاني

240

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

بأبعاده كلها ، حتى اعتلى سليم الأول ( يافوز - العابس ) عرش السلطنة ( 1512 - 1520 م ) ، والذي يعتبره المؤرخون ، وبحق ، رجل الجبهة الشرقية ، والذي يتميّز عن والده بروحه القتالية العالية . وخلال حكمه القصير ، ركز سليم الأول نشاطه في الشرق ، واستطاع في حملتين متتاليتين أن يضاعف مساحة أراضي السلطنة في آسيا وإفريقيا . فامتدت الإمبراطورية العثمانية في ثلاث قارات ، وأصبح البحر الأبيض المتوسط عمليا بحيرة عثمانية . ففي سنة 1514 م ، خرج سليم قاصدا شاه إسماعيل في عاصمته تبريز ، واستطاع جيش سليم « الإنكشاري » أن يهزم جيش إسماعيل « السباهي » ( جيش الفرسان ) ، بالاعتماد الكثيف على المدفعية والأسلحة النارية . لكن هزيمة إسماعيل لم تكن حاسمة . وعاد سليم وتظاهر بنية الخروج إلى قتال إسماعيل ثانية ( 1516 م ) ، موجّها تهمة إلى السلطان المملوكي ، قانصوه الغوري ، بالتحالف مع إسماعيل الشيعي ، في حين هو سنّي ، مثله مثل العثمانيين . واستدرج سليم السلطان المملوكي العجوز إلى مرج دابق ( شمال حلب ) ، وأنزل بجيشه هزيمة ساحقة في آب / أغسطس 1516 م ، وذلك أيضا بفضل تفوق جيشه الإنكشاري ، عدة وتدريبا ، وبعد الغوري عن عاصمته ، وبالتالي طول خطوط إمداده وتموينه ، وكذلك عداء سكان بلاد الشام للمماليك . على العكس من الصفويين ، لم يجد العثمانيون صعوبة كبيرة في القضاء على دولة المماليك . فالعسكرتارية المملوكية في هذه الفترة كانت قد فقدت روحها القتالية . وأصبحت منذ زمن أداة قمع داخلي للسكان ، وصراع في القمة بشأن السلطة . وهذه المؤسسة التي كانت لا تزال تمارس الحكم ، أضحت بلا مضمون حقيقي يتلاءم مع صورتها العسكرية . وبناء عليه ، تضافرت عدة عوامل ، ذاتية وموضوعية ، جعلت هزيمة المماليك على أيدي العثمانيين مسألة سهلة . فبغياب التحدي الخارجي بعد إنهاء الوجود الفرنجي في الشرق ، وانحسار المدّ المغولي ، تراجعت القدرات القتالية للمماليك ، أكان من ناحية العدد ، أو العدة ، وتكلست المؤسسة المملوكية على تقاليدها البالية ، من دون محاولة الإفادة من التطورات المستحدثة في العلم العسكري . وفضلا عن نضوب الموارد البشرية ، فقد تقلصت الموارد المالية ، وخصوصا بعد فقدان تجارة الهند لمصلحة أوروبا ، عندما اكتشف رأس الرجاء الصالح ( 1498 م ) . وعلاوة على ذلك ، ظل المماليك يحبون حياة البذخ والتبذير ، ويظلمون الناس ، فأصبحوا فئة محصورة ومعزولة ، سهل على العثمانيين تدميرها .